الخميس 21 سبتمبر/أيلول 2017
جديد القومي
أقوال الزعيم
القاعدة الثابتة بين التطوّر والتطوير طباعة البريد الإلكترونى
نايف معتوق   
الخميس, 24 أغسطس/آب 2017 22:20
AddThis

شاعت، وما زالت تشيع لفظة التطوّر وما ينبثق عنها من مشتقّات، والأرجح أنّها ستستمرّ لأنّها ملازمة لطبيعة الحياة، وباتت تشكّل علامةً فارقةً لدى الغالبية الساحقة من الناس، باعتبارها معبرًا للتوصيف الإيجابي الذي يضع صاحبه في خانة الناضجين فكرًا وعقلًا.

وطبيعيّ أنّنا لسنا هنا بصدد إسقاط الصفة الإيجابيّة عن التطوّر، كما قد يتبادر إلى أذهان البعض، لأنّه من طبيعة الحياة؛ وما هو من طبيعة الحياة لا يمكن أن يتجاهله عاقلٌ أو أن يسير بعكس التيّار؛ بل يتبصّر به ويتعمّق بحقيقته ومدى فعله في جودة الحياة ورقيّها.

ومن المنطقي والضروريّ أن نضيء على حقيقة معنى لفظة "التطوّر" لغويًّا، ليستقيم البحث والتحليل، ولتكون نتيجة التحليل عقلية وعلميّة.

فالتطوّر هو الانتقال من طور إلى طور، أو من حالة إلى حالة؛ والغالب أن يكون الطور التالي هو أفضل وأحسن، لكنّ هذا لا يعني حتمًا أنّ يكون كذلك، إذ ربّما يتّجه اتّجاهًا سلبيًّا.

ورغم السلبيّة المفترضة، فإنّ الاتّجاه النفسيّ نحو التطوّر هو أمر كان وقائمٌ وسيبقى، لأنّه ميزة الحياة النامية نحو الأفضل والأجود. وفي هذا يكون التطوّر ملازمًا لحقيقة الحياة وعاملًا طبيعيًّا من عواملها الفاعلة والثابتة.

ومن الضروريّ أن نشير إلى أنّ التطوّر يبقى في حدٍّ ضيّقٍ في النواميس الطبيعيّة والمبادئ العلميّة، حتّى ولو تمّ الكشف عن جديدٍ فيها، فيبقى التطوّر في فهمنا لها، وفي نتائجها العمليّة.

أمّا التطوّر التقنيّ والصناعيّ والطبّيّ والفلكيّ، وما هو في دائرتها، فحدّث عن تطوّرها ولا حرج، علمًا أن سبيل تطوّرها قد يتعثّر أحيانًا، لكنّه يعود فيخضع لعمليّة مراجعةٍ دقيقة فيُضبط شأنه، ويسلك سبيله القويم. ومن المفيد أن نذكر أنّ بعضًا ممّن لا يقيمون وزنًا للإنسان ولا لدوره الركيزة في عمليّة البناء، يجهدون في مختبراتهم، في خطّة مدفوعة ومرسومة من أجل نشر الأمراض، التي تثير الرعب في قلوب الناس، وتنشر البلبلة والفوضى على الصعيد العالميّ، أو طمس أدويةٍ تشفي من أمراضٍ خبيثة مستعصية من أجل ضمان الحصول على أرباحٍ مادّيّة، وإنْ على حساب حياة الناس. وهذا يتوافق مع إشارتنا السابقة، إلى أنّ التطوّر قد يسلك سبيلًا سلبيًّا أحيانًا، بطريقة مقصودة أو غير مقصودة.

وبغضّ النظر عن تفصيلات تطوّريّة في الشأن العلمي البحت، كون المقام ليس مقامها، نسأل ما هو مستوى التطوّر على صعيد العلوم الإنسانيّة؟ وتحديدًا هل يأتي التطوّر لقلب القواعد السابقة رأسًا على عقب؟ أم أنّه يعدّل في مفهومها وأسسها ونتائجها؟ وما هو المدى الذي يفسح في المجال أمام المطالبين بالتطوّر الدائم، في كلّ شؤون الحياة الروحيّة والمادّيّة وإن كانت الرغبة في التغيير رغبة عامّة ترافق الإنسان من مرحلة الفتوّة إلى مراحله الأخيرة؟

ومهما قيل عن التطوّر، فإنّه ميزة من ميزات الحياة النامية، وحالة نفسيّة عند كلّ إنسان تختلط أحيانًا بمبدأ التغيير الذي يرى فيه الإنسان الفرد معبرًا حتميًّا للخروج من الروتين والمراوحة في الممارسة التي ربّما تبعث عند البعض على الضجر. لكنّ هذا الميل يفقد خطّه القويم إن لم تنظّمه ضوابط تحفظ نتائجه الإيجابيّة ولا تهوي به إلى مهالك تضرّه كما يمكن أن تضرّ سواه.

ومن زاوية الميل إلى التطوّر والتطوير رأى بعض من اعتنق عقيدة سعادة أنّ التطوير فيها أمرٌ حتميّ وملزمٌ شأنه شأن خطّ التطوّر والتطوير الذي يلازم مسار الحياة العامّة؛ غير عابئين بكلّ الدروس التي وضعها سعادة أمامهم وأمام من ينحو نحوهم في هذا المجال، وغير مكترثين للقواعد العلميّة الثابتة التي ارتكز عليها الزعيم لوضع المبادئ السوريّة القوميّة الاجتماعيّة، آخذًا بعين الاعتبار كلّ مقوّمات التطوّر والتطوير بكلّ نواحيها ووجوهها؛ علمًا أنّ الذين لهثوا وراء هذا الجنوح الفكريّ، لم يصرّوا عليه بدافعٍ عقليّ علميّ منطقيّ، بل حاولوا به أن يغطّوا قصورهم وتهرّبهم وضعفهم وانجرارهم وراء تيّاراتٍ تدغدغ آفة الأنانيّة والفرديّة الماحقة فيهم التي تتعارض مع واقعيّة وشموليّة النظرة القوميّة الاجتماعيّة.

وأكثر من بدأ بالحديث عن التطوّر العقائدي أولئك الذين تلقّوا دروسهم في الجامعة الأميركانيّة، وعلى يد الدكتور شارل مالك بشكلٍ خاصّ، وفي سياق الحديث عن التطوّر كانت النزعة الفرديّة عند هؤلاء تبرز حادّةً، تارةً في العلن، وتارة من زاوية باطنيّة، ولكنّها كانت مكشوفة وواضحة لدى المعلّم القائد سعادة، وحاول، بسعة صدره وصبره وجَلَده، أن يطهّر نفوسهم من هذه السوءة القاتلة، لكنّ الدفع لها كان أقوى إن من حيث الحالات النفسيّة المريضة، أو من حيث الدفع الخارجيّ الجارف.

وفي سياق معالجة هذا المرض الفرديّ المستشري، كان سعادة يضع أمام هؤلاء الوقائع العلميّة مشفوعةً بالشواهد العمليّة التي لا يرفضها إلّا أولئك الغارقون في مستنقعات سوءاتهم، ولو كان ذلك على حساب حقيقة القيم فيهم؛

فعلى الصعيد العلميّ قامت العقيدة على مرتكزين: الأرض أوّلًا ثمّ الشعب ثانيًا؛ الأرض بواقعها الجيولوجيّ والطوبوغرافيّ؛ والشعب القائم على الأرض الذي يتفاعل معها وعليها؛ وفي السياق الزمني يكتسب الإنسان خصائص نفسيّة ومادّيّة، تميّزه عن إنسانٍ آخر على أرضٍ أخرى. وهذا الإنسان على هذه الأرض يغدو واحدًا بكلّ إمكانيّاته الأفراد.

وفي التطبيق، وبعد الدرس الجغرافي الشامل، درس البيئة الطبيعيّة، تبيّن للزعيم وحدة الأرض السوريّة، الهلال الخصيب، ووحدة الشعب عليها؛ ويمكن أن يدرسَ المريدون كلّ بيئةٍ بتكامل خصائصها وحقيقة تفاعل الشعب عليها ومعها للوصول إلى النتيجة نفسها.

هذا هو المرتكز العلميّ لتحديد ماهية الأمّة، وحقيقة التطوّر فيها، أن نضاعف التعمّق في عنصريها، ونستعين بالوسائل المساعدة على هذا الفهم.

أمّا المبادئ السوريّة القوميّة الاجتماعيّة التي جاءت تعبيرًا عن حقيقة وواقع الأمّة السوريّة، فقد قامت على المرتكز العلمي المذكور، وتناولت كيفية إزالة كلّ المعوّقات التي شوّهت هذه الحقيقة وعملت على طمس معالمها، ووضعت الأسس من أجل بعث نهضة سوريّة قومية اجتماعيّة تكفل تحقيق المبادئ وتعيد إلى الأمّة حيويّتها وقوّتها.

فالحقيقة التي جاء بها سعادة هي حقيقة علميّة ثابتة، والتطوّر لا يكون في جوهرها بل في كيفية فهمها وكيفيّة العمل على جعلها حقيقة قائمة فعليّة؛ والتطوّر هو في خلق الوسائل المحقّقة ذلك، علمًا أنّ هذه الوسائل يجب أن تنسجم مع قيميّة الأسس التي قامت عليها العقيدة. فالعقيدة السامية تتطلّب وسائل سامية؛ فالمنطلق والوسيلة والغاية وحدة متكاملة لتحقيق ما نصبو إليه. وإذا كان من تطويرٍ، وهو كائن، فهو لن يكون إلّا ضمن هذا الإطار وهذا المفهوم، وليس في جنوحٍ يضرب الأسس ويغيّر الحقائق.

ولأنّ التطوّر يدغدغ الكثير من النفوس والعقول، الشابّة في معظم الأحيان، ويتغلغل بصورة سحريّة في عروقها وشرايينها، يستغلّ البعض هذه الناحية لأغراضٍ تجافي الواقع الحقيقيّ وتدفع الطامحين إلى التغيير في سبلٍ لا تصبّ في نهاية الأمر في مصلحة التقدّم والنموّ الإيجابيّ.

نقول هذا، لنعود إلى منتصف الأربعينيّات حين بذل سعادة من الجهود، في سياق جهوده التي لم تعرف الركود والركون إلى الاستسلام، لتركيز المفاهيم عند بعضٍ من الرفقاء رأى فيهم نموذجًا لعمل ثقافيّ مميّز؛ ويأتي فخري معلوف وغسّان تويني في صدارة هؤلاء. وفي الوقت الذي كان يعلّمهم ويوجّههم كانت الأيدي المخرّبة تدفعهم في اتّجاهٍ آخر مغايرٍ للاتّجاه العقائدي الباني؛ وكان سبيل المُنصتين إلى خارج الحزب والعقيدة أمرين: التركيز على الناحية الفرديّة، بمستوياتها المختلفة، والمطالبة بالتغيير والتطوير، لا بل إنّ المطالبة بالتغيير والتطوير، إنّما كان لتغطية المرض الفرديّ الذي تآكل حالة هؤلاء النفسيّة.

ألم يسعَ فخري معلوف من خلال التفتيش عن خلاصه الفرديّ إلى تغطيته باعتناق المذهب الكاثوليكي، ودعا الزعيم للأخذ به؟ ألم تكن رخاوة العيش واللهث وراءها المحرّك لالتواءاته وتبريراته الواهية؟ وبالرغم من توضيحات الزعيم المركّزة، وعلى الرغم من مستوى الفهم العقدي عنده الذي أشار إليه الزعيم، وبالرغم من أنّه اقتنع بداية الأمر بما وضعه الزعيم أمام بصيرته، فإنّ الإغراءات كانت أقوى، والرخاوة المادّيّة طغت، وألبسها لباسَ المذهبيّة ليؤمّن المعبر إلى الراحة والاستسلام للرفاه الفرديّ. ويبدو، من خلال ما اطّلعنا عليه في رسائل الزعيم إلى غسّان تويني بخصوص فخري معلوف، أنّ هذا الأخير غرق في مستنقع فرديّته واستسلم لرخاوة العيش التي عبّدها له الرهبان الكاثوليك، قبل أن يعلن للزعيم تراجعه عن التزاماته العقائديّة رغم محاولة سعادة معالجة وضعه بكلّ صبرٍ وأناةٍ ورويّة، ممّا جعل الزعيم يجرّده من كلّ صلاحيّاته.

أمّا غسّان تويني الذي كلّفه الزعيم معالجة الحالة النفسيّة الشاذّة التي أصابت فخري معلوف، انطلاقًا من التوجيهات التي زوّده بها، فقد جذبته الإغراءات نفسها، وألبسها لباسًا من نسج فرديّته، مغلّفة بغلاف البحث في حقيقة القيم، علمًا أنّ جهل الأسس التي تقوم عليها العقيدة القوميّة الاجتماعيّة، لا تسمح للجاهل أن يدرك حقيقة القيم؛ ففهمُ جوهر العقيدة وأبعادها هو القاعدة الأساس التي تسمح ببحث القيم وحقيقتها؛ وفي السياق، وانطلاقًا من طموحه الفرديّ، ومن كون الفهم العقائدي المركّز يعطّل عليه الانجرار وراء فرديّته، حاول أن يصوّب على أنّ التركيز العقائديّ أوصل إلى حالة من "التحجّر" ينبغي الخروج منها والاستعاضة عنها بولوج عالم السياسة من بابه الواسع. وبالتالي ينبغي الخروج من حالة التركيز تلك إلى حالةٍ "تطوّريّة" تجاري الأوضاع العامّة وتأخذ بالمنحى السياسيّ الذي يفتح لنا الباب واسعًا أمام الانخراط في الأوضاع العامّة. وفي هذا يقول:

"لقد عرف الحزب في الماضي بالتشديد المتطرّف على العقيدة، حتّى إنه تحوّل هذا التشديد إلى تحجّر أكاديمي جعل الحزب في موقف سلبي من السياسة القائمة بدلًا من اشتراكه في هذه السياسة والتميز عنها بوجود الأساس العقائدي كمبدأ تحاكم هذه السياسة بالنسبة إليه وكغاية يسعى إليها. وإزاء هذا الوضع، وبالنظر للظروف السياسية التي لم تكن، في توجيهها الظاهري، موافقة للعقيدة القومية الاجتماعية، اتّجه الحزب نحو اتّباع نهج جديد، هو تطبيق عملي لمبادئه، فأحلّ العمل السياسي المجرّد مكان الجدل العقائدي، وبالتالي تحلّى بالمرونة، وتمكّن بذلك من الاشتراك المباشر في الحياة السياسية العامّة والعمل على إصلاحها من ضمنها إلخ.."

وقد أوضح الزعيم خلل تويني في التقدير والاستنتاج، ومردّه إلى عدم درسه تاريخ الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ درسًا شاملًا معمّقًا يقيه من الشطط والتعثّر، ويحصّنه مع آخرين من الأخذ بمقولة "الاستنباط" و "التجديد" والتطوير ممّا يؤدّي إلى سلسلة من الاختبارات «للاستنباطات» و«التجديدات» التي يأتي بها بعض من لم يلجوا واقع العقيدة القوميّة الاجتماعيّة وحقيقتها، وواقع وحقيقة "تاريخ الحزب ووحدة سياسته وإدارته واستمرارها"، أو أنّهم ينصتون إلى مشغّلين همّهم تأمين مصالحهم وتهديم روحيّة العمل القومي الراقي.

وفي السياق عينه كان جنوح فايز صايغ الذي أدار ظهره للقيم القوميّة الاجتماعيّة الراقية، وارتدّ بوضوح وباندفاع إلى قزميّة بردييف الفرديّة التي رأى فيها ما يدغدغ سوءة فرديّته، وحاول أن يستبدل العقيدة القوميّة الاجتماعيّة بتلك الجاهليّة الفرديّة الضيّقة.

وعلى غرار هؤلاء، ومن مستوًى أدنى، ومن زاوية يفحّ منها نتن الجبن، حاول عبدالله قبرصي أن يدعو إلى التغيير والتطوير ظنًّا منه أنّ ذلك يستر عوراته الفكريّة والعمليّة وسطحيّته التي أكّد عليها سعادة في أكثر من موضع؛

ولأنّ سلسلة الانحناءات والالتواءات والطعن التي حاول أصحابها أن يموّهوها بالتطوير والتغيير والاستنباطات، فلا بدّ أن نصوّب على حالة التشويه الفاضحة التي التزمها عددٌ ممّن أقسموا يمين الولاء والصدق والإخلاص للعقيدة القوميّة الاجتماعيّة، فحاولوا أن "يهيغلوها" و "يمركسوها" و "يليننوها"؛ وعلى الرغم من أنّهم لم يتمكّنوا من طهر العقيدة، فإنّهم شوّهوا صفاء نفوسٍ سوريّة كان يفترض أن تعمل لخير الأمّة ومصلحتها، فإذا هي عبءٌ عليها، وما زلنا نعاني من تلك الحالة حتّى اليوم.

خلاصة القول أنّ الانصراف إلى مجاراة الدارج ومماشاة التيارات المدفوعة علينا ممّا لا علاقة له بنفسيّتنا وطبيعة خصائصها بحجج "التطوير" و"الاستنباط" و"التجديد" لا يُجدي نفعًا، بل يراكم من طبقات الفوضى الفكريّة ويضع العصيّ في دواليب النهوض الاجتماعيّ، ويعرقل مسيرة النهضة وتحقيق مصلحة الشعب السوري العليا. واللّافت في هذا السياق الفوضوي الخروج على كلّ القواعد العقلية والمنطقية، والجنوح نحو ما يعرف بالشذوذ العقائدي، الذي انتهجه وما زال، عدد ممّن خلت نفوسهم من الصفاء العقائدي والعمق العقائدي المكين الذي ثبّت أصوله باعث النهضة سعادة، والذي لا يمتّ إلى العقيدة القوميّة الاجتماعيّة بصلة.

وإذا كان لا بدّ من التطوّر والتطوير، وهو أمر ضروريّ وحتميّ، فهو في تطوير مفهومنا لعقيدتنا القوميّة الاجتماعيّة، وتطوير الوسائل التي تنقلها من حيّز النظريّات إلى واقع التطبيق العملي.

في 14 آب 2017
نايف معتوق

 
الدخول



الرسائل الاكترونية

الاسم:

البريد الالكتروني:

تبرعات
لتبرعاتكم : Account Number: USD 001 180 0007183 00 1

IBAN: LB33 0053 0024 0011 8000 0718 3001 SWIFT: C L B L B B X