السبت 27 دسمبر/كانون أول 2014
جديد القومي
أقوال الزعيم
إلى القوميين الاجتماعيين طباعة البريد الإلكترونى
سعاده   
السبت, 09 أغسطس/آب 2014 00:00
AddThis

altمن دائرة الإنشاء: لمّا علم مجلس عمد الحزب القومي الاجتماعي أن عودة الزعيم ستتأخر عن أواخر شهر تشرين الثاني من السنة الماضية كلف حضرة عميد الإذاعة الكتابة إليه وسؤاله إرسال رسالة إلى القوميين الاجتماعيين التائقين إلى رؤية وسماع صوته والإصغاء إلى كلامه المحيي. فكتب الزعيم في العاشر من كانوا الثاني الماضي رسالة احتوت على أدق الأوصاف وأعمق النظرات السياسية والعقائدية والفلسفية التي تحتاج إليها الحركة القومية الاجتماعية في هذه المرحلة الدقيقة من حياتها وجهادها.

وقد سلمت عمدة الإذاعة هذه الرسالة التعليمية الممتازة في أواخر كانون الثاني وعرضتها على أعضاء المجلس الأعلى وأعضاء مجلس العمد فأشار بعضهم بعدم نشرها في تلك الظروف فأجّلت العمدة نشرها، ولكنها ترى الآن أن نشرها ساعة وصولها كان أوفق، نظرًا لحاجة الحزب إلى التحليل الدقيق الذي اشتملت عليه ويحتاج إليه الحزب القومي الاجتماعي والأمّة جميعها كلّ الحاجة.

وللتعويض عما فات دفعت عمدة الإذاعة هذه الرسالة الخطيرة جدًا إلى النشر وهي كما يلي:

أيها القوميون الاجتماعيون!
هذه رسالة ثانية أوجِّهها إليكم من أَسْريَ القسريِّ في هذا المغترب البعيد، وأنا أترقّب ساعة الفِكاك والعودة إلى وسط الحركة في الوطن، في حِمى هذه النهضة القومية الاجتماعية العظيمة التي تشيدون حقيقتها بأخلاق سيضعها التاريخ في أرفع محلٍّ من التقدير، وبمناقب ستبقى مثلاً مجيدًا على كرور السنين وتعاقب القرون.

تِسْعُ سنوات إلا أشهر قليلة قد مرّت على اغترابِيَ القسريِّ والذي لم يكن في أوّله سوى رحلة اختيارية حدُّ مدّتها سنتان. فجاءت الحرب العالمية الثانية عَجلى وأقامت الحواجز والفواصل وقطعت خط الرجعة عليَّ. وما وددت شيئًا إلا أن أكون عدت إليكم قبل شبوب نارها، وقد كدت أعود وأنا بعد في بدء رحلتي إلى هذا العالم الجديد الغريب، لولا حدوث مؤتمر مونيخ الذي دلّ ظاهره على أن الحرب قد تأجّلت إلى مدة لم يكن منتظرًا أن تكون في هذا القِصَر.

ها هذه السنوات التسع تقارب ختامها وفي كلّ هذا الوقت الطويل الذي مرّ كانت عيناي ترعيانكم من هذا البعد، أعرف ما تقاسون وتجهلون ما أقاسي.
أنتظر بفارغِ صبرٍ فِكاك أسري لأعود إليكم، وترتقبون بحرارةٍ متصاعدة عودتي بعد هذا الغياب الطويل، ويقيننا أن ما جمعه المثال الحيّ في نفوسنا لا تفرّقه عوارض الزمان وتباعد المكان.

ها سنوات تسع تكاد تنقضي على انقطاع تام، كم قاسيتم خلالها وكم قاسيت! في هذه المدة عادت أفعى الاستعمار المجروحةُ جرحها المميت تشدّ عليكم بكلّ قوتها شدّها الأخير، بعزمها الأخير، وعدتم تثبتون لشدّها الأخير كما ثبتم لشدّها الأول، فكان ثباتكم أقوى من ضغطها. فانحلّت عنكم ووثبتم على بقيّتها بما فيكم من عزم. وفي هذه المدة كنت أنا أُجرَّب من أبليس وزمرة الشياطين والأرواح الشريرة الكثيرة، وها التجربة العظيمة قد انقضت وارتدّ إبليس وانخذلت زمرته وهربت الأرواح الشريرة.

في كلِّ هذه المدة الطويلة وبعد كلّ هذه المحن العظيمة لم يضعف إيماننا بل قَوِيَ- إيمانكم بي وإيماني بكم.

آمنتم بي معلّمًا وهاديًا للأمّة والناس، ومخطِّطًا وبانيًا للمجتمع الجديد، وقائدًا للقوات الجديدة الناهضة الزاحفة بالتعاليم والمثل العليا إلى النصر. وآمنت بكم أمّةً مثالية معلمة وهادية للأمم، بنّاءةً للمجتمع الإنساني الجديد، قائدةً لقوات التجدّد الإنساني بروح التعاليم الجديدة التي تحملون حرارتها المحيية وضياءها المنير إلى الأمم جميعًا، داعيةً الأمم إلى ترك عقيدة تفسير التطور الإنساني بالمبدأ الروحيّ وحده، وعقيدة تفسيره من الجهة الأخرى بالمبدأ المادي وحده، والإقلاع عن اعتبار العالم، ضرورة، عالم حرب مهلكة بين القوة الروحية والقوة المادية، وإلى التسليم معنا بأن أساس الارتقاء الإنساني هو أساس مادي- روحي (مدرحي)، وأن الإنسانية المتفوّقة هي التي تدرك هذا الأساس وتشيد صرح مستقبلها عليه. ليس المكابرون بالفلسفة المادية بمستغنين عن الروح وفلسفته، ولا المكابرون بالفلسفة الروحية بمستغنين عن المادة وفلسفتها.

إن العالم الذي أدرك الآن، بعد الحرب العالمية الأخيرة، مبلغَ الهلاك الذي جلب عليه قيام الفلسفات الجزئية الخصوصية- الفلسفات الأنانية التي تريد أن تحيا بالتخريب- فلسفة الرسمالية الخانقة وفلسفة الماركسية الجامحة، التي انتهت في الأخير بالاتحاد مع صِنْوِها المادية الرسمالية، بقصد نفْيِ الروح من العالم، وفلسفة الروح الفاشية وصنوها الاشتراكية القومية المحتكرةِ الروح، الرامية إلى السيطرة به سيطرة مطلقة على أمم العالم وشؤونها- هذا العالم يحتاج اليوم إلى فلسفة جديدة تنقذه من تخبّط هذه الفسلفات وضلالها، وهذه الفلسفة الجديدة التي يحتاج إليها العالم- فلسفة التفاعل الموحِّد الجامع القوى الإنسانية- هي الفلسفة التي تقدّمها نهضتكم.

قد حدثت حوادثُ في سياق المدة التي انقضت وتغيرت مظاهر في وطننا: بعد سقوط فرنسا في قبضة الألمان وقيام حكومةٍ فرنسية في ويشي متفاهمةٍ مع الفاتحين، اغتنمت القيادة البريطانية الفرصة فزحفت قواتها المرابطة في جنوب سورية على شمالها تصحبها شراذم فرنسية مؤتمِرةً بأمر الجنرال دقول. وبعد مواقع حربية معروفة سلمت قوة ويشي للزاحفين وحلّ الجيش البريطاني محلّ الفرنسي في لبنان والشام. وقرب نهاية الحرب عادت فرنسا تحاول استعادة مركزها السابق فغضبتم وثرتم ووافقت رغبة البريطانيين ومصالحهم ثورتكم، فتخلى، تجاه هذه الحالة، عن فرنسا حتى عشاق احتلالها، وانحازوا إلى حركتكم وأوعزت الحكومة البرطيانية إلى جيشها المحتل في لبنان والشام أن يقف في وجه الحركات العسكرية الفرنسية، وتم أخيرًا الاتفاق على الجلاء العسكري من شمال سورية والاعتراف باستقلال لبنان والشام كيانين قائمين بذاتهما، فَجَلَتْ القواتُ الفرنسية إلى فرنسا ومستعمراتها، وعادت القوات البريطانية إلى فلسطين. ولم يبقَ للسيطرة البريطانية مُزاحِمٌ في شرق المتوسط.

رأيت من الضروري تأدية هذه الخلاصة الواقعية لتعلموا ويعلم الناس علمًا لا شكّ ولا غموض فيه أن الكيان الحقيقي الحائز جميع شروط السيادة والاستقلال الحقيقيين هو كيان حزبكم القومي الاجتماعي. فهو الدولة المستقلة استقلال صحيحًا، لأن استقلالها كان وليد عقيدتها وإرادتها وعملها وليس وليد الصدف والظروف، ولأنها هي الدولة التي نشأت حُرّة وعملت منذ نشأتها بمطلق سيادتها، منذ أعلنْتُ سيادتَها واستقلالَها في خطابِيَ المنهاجي في أول حزيران 1935، فحاربَتِ الفرنسيين حربَ دولة منظَّمة ذات سيادة واستقلال، وحافظَتْ على هذه الشخصية في جميع الظروف، وجاهدَتْ ما أمكنها الجهاد في جميع الجبهات القومية. وفي أشدّ ساعات حروبها حراجة ظلت معنوياتها عالية يصحّ أن تكون قدوة لدول كثيرة.

أقول ذلك ليكون أيضًا واضحًا أن الترتيبات الوطنية الطائفية والإقطاعية التي حلت محلّ الاحتلال والانتداب في الشمال ليست من صنع القوميين الاجتماعيين، ولا من نتائج عملهم، ولا مما يقبلون باستمراره. لست أقصد هنا بذلك الكيانات السياسية في ذاتها ككيان لبنان وكيان الشام وكيان شرق الأردن، لأنني رأيت منذ البدء أنّ العلة ليست في هذه الكيانات، وأنّ هذه الكيانات نتيجةٌ لا سبب، بل أقصد نوع الحكم والإدارة والحياة السياسية اللاقومية، الفوضوية، فيها. فكأن الاستقلال ليس للفئات الانتهازية، سوى غنيمة باردة لمن يسبق إليها. «ومن بعدي الطوفان».

ولست أقصد من جهة أخرى إنكار جميل المساعدة البريطانية للتخلّص من الاحتلال الفرنسي وبلوغ الحالة الاستقلالية الحاضرة. وإنْ تألمنا من المؤامرة البريطانية- اليهودية على حقوق السوريين في فلسطين، ومن بيع البريطانيين هذه الحقوق لليهود ظلمًا وعدوانًا، ولا يمنعنا من الاعتراف لبريطانيا العظمى بجميل المساعدة على الوصول إلى حالة الاستقلال الحاضرة، ولن نوفي هذا الجميل قبيحًا، ولكننا في الوقت عينه لا نرى أن جميل المساعدة في الشمال يمحو قبيح المؤامرة في الجنوب. إنّ فلسطين سوريّة ولن نتخلى أبدًا عن حقنا فيها.

ترون أيها الرفقاء، أنّ الحالة قد تحسّنت نوعًا وأنّ تحسّنها الحقيقي يعود في الدرجة الأولى إلى وحدتكم القومية، وبثِّكم الوعي القومي الاجتماعي في الأمّة، وإلى جهادِكم القومي الحقيقي ووقوفِكم في وجه الاحتلال الفرنسي وحيدين. وما يخرج من عملة التصفية والتحليل للموقف هو أن الحقيقة الثابتة الوحيدة في شؤون الأمّة والوطن ومصيرهما هي حقيقة حزبكم وعقيدته وقوّتِه. في حزبكم تقرَّر، منذ البدء، مبدأُ السيادة القومية ومبدأُ عضوية الدولة القومية الاجتماعية ونظامُها واستقلالُها. وفي حزبكم تحققَتِ السيادة الحقيقية والاستقلال الحقيقي والحرية الحقيقية. وفي حزبكم يجب أن تروا السيادة والاستقلال والحرية القومية، فلا ضمان لشيء من ذلك إلا به وفيه، وليس للمظاهر الخارجية الأخرى أية قيمة حقيقية عند الامتحان. فكم من استقلال معترَفٍ به بِيْعَ في الأسواق البيضاء والسوداء بَيْعَ الأملاك الخصوصية. وانظروا ماذا كانت قيمة استقلال الشام في عهد فيصل بن الحسين، وماذا كانت قيمة استقلال بولونية وحدود وطنها. وقيمة استقلال ليتوانية وأستونية ولتوية (لاتفيا). فلا تنخدعوا بشيء من المظاهر الخارجية وافتحوا عيون الشعب لكي لا تكون حالة الاستقلال النسبي الحاضرة أُلْهِيَّةُ ساعة وتنقضي ولا يُعرف كيف انقضت.

إن حالة الأمّة والوطن لا تزال، في معظمها، حيث تحتاج إلى تطبيق المنهاج السياسي الذي أعلنته في خطابي في أول حزيران 1935. فقليلة هي التعديلات والزيادات التي يجب إدخالها عليه بالنظر إلى الحالة الحاضرة. في ذلك الخطاب أعلنت أنّ الحزب القومي الاجتماعي هو دولة الشعب المستقلة، وأننا قد حرّرنا أنفسنا في الحزب من كلّ سلطة وكلّ إرادة أجنبية، وأنه بقي علينا أن نحرّر أمّتنا بأسرها ووطننا بكامله. ومنذ ذلك الوقت، قد جاهدنا كثيرًا وحققنا بعض الرغائب، ولكن لا يزال أمامنا القسم الأعظم من الطريق الطويلة الشاقة المؤدية إلى الغاية الأساسية الأخيرة التي هي بدورها ابتداءُ استمرارٍ لحياة مثالية طويلة ولعمل إنساني واسع. فالأمّة، خارج صفوف النهضة القومية الاجتماعية، تتخبّط في فوضى لا مثيل لها، وقد زادت طينَها بلة حالةُ السيادة والاستقلال الفجائية، فانطلقت الشهوات الحادة ومطامع الحكم من حالة الكبت التي كانت فيها، وأصبحت تشكِّل شرًّا عظيمًا في الشعب وخطرًا هائلاً على الأمّة، والوطن يتمزق بين المطامع اليهودية والتركية وجماعات الغرباء والإرادات الأجنبية.

والأحزاب الطائفية المستمرّة من عهد الاستعمار الذي أوجدها لتسدّ طريق امتداد الوعي القومي إلى جميع فئات الشعب، منصرفة إلى عملية الشقاق والفتنة.
إنّ حالة أمّتنا ووطننا الحاضرة لا تزال الحالة عينها التي تستدعي التوجه الكلّي إلى مَزِيّةٍ أولية أساسية من مزايا حزبكم ونهضتكم العظيمة، أعني مزيّة البطولة المؤمنة. فإن أزمنة مليئة بالصعاب والمحن تأتي على الأمم الحية فلا يكون لها إنقاذ منها إلا بالبطولة المؤيَّدة بصحّة العقيدة. فإذا تركت أمّة ما اعتماد البطولة في الفصل في مصيرها، قرَّرته الحوادث الجارية والإرادات الغريبة.

إنّ حزبكم قد افتتح عهد البطولة الشعبية، الواعية، المؤمنة، المنظمة، في أمّتكم، فإن عهدكم هو عهد البطولة، فلا تتخلوا عن طريق البطولة، ولا تركنوا إلى طريق المساومة الغرّارة. قد أكسبَتْ حزبَكم مرونةُ سياسته الأصلية ودبلماسيةُ مدرسته السياسية الدقيقة الفكر، أنصارًا كثيرين، وألّفت قلوبَ جماعةٍ كانت بعيدة عن الحزب. ولكن أقول لكم إنّ قوّتكم الحقيقية ليست في المؤلّفة قلوبهم ولا في المتقرّبين إليكم في طور نموِّكم بعد زوال كابوس الاحتلال العسكري الأجنبي، بل في بطولتكم المثبتة في حوادث تاريخ حزبكم، وفي عناصر رئيسية هي: صحة العقيدة وشدة الإيمان وصلابة الإرادة ومضاء العزيمة. فإذا فقدتم عنصرًا واحدًا من هذه العناصر الأساسية انصرف عنكم المناصرون وتفرق المتقرّبون.

لِتفعلْ إدارتُكم العليا كلَّ ما تقدِرُ عليه في ميدان السياسة والديفلوماسية فذلك من خصائصها. أمّا أنتم فأياكم من صرف عقولكم وقلوبكم إلى السياسة والدبفلوماسية، واحذروا من اختلاط السياسة والدبفلوماسية وأغراضِهما بعقيدتكم وإيمانكم وعناصر حيوتكم الأساسية لئلا تكون العاقبة وخيمة.

كلّ عقيدة عظيمة تضع على أتباعها المهمة الأساسية الأولى التي هي: انتصار حقيقتها وتحقيق غايتها. كلّ ما دون ذلك باطل. وكلّ عقيدة يصيبها الإخفاق في هذه المهمة تزول ويتبدّد اتباعها.

عوا مهمتَكم بكامل خطورتها وألهجوا دائمًا بهذه الحقيقة- حقيقة عقيدتكم ومهمتكم- حقيقة وجودكم وإيمانكم وعملكم وجهادكم.

مارسوا البطولة ولا تخافوا الحرب بل خافوا الفشل.

بوانس أيرس في التاسع من كانون الثاني 1947
 
الدخول



الرسائل الاكترونية

الاسم:

البريد الالكتروني:

تبرعات
لتبرعاتكم : Account Number: USD 001 180 0007183 00 1

IBAN: LB33 0053 0024 0011 8000 0718 3001 SWIFT: C L B L B B X